ابراهيم بن عمر البقاعي
65
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
فيشكره إذا أنعم ، ويصبر إن امتحن وانتقم ، ويخدمه بما أمر وينزجر عما عنه زجره ، فهذه الآية مشتملة على وجود المقتضي للسعادة وانتفاء المانع منها ووجود المقتضي إعداد وإرشاد ، فالإعداد إعانته سبحانه للعبد بإعداده لقبول السعادة كالحداد يلين الحديد بالنار ليقبل أن يكون سكينا ، والإرشاد أخذه بالناصية إلى ما أعد له كالضرب بالسكين وإصلاحها للقطع بها ، وانتفاء المانع هو الموقف عن ذلك وهو دفع المشوشات والمفسدات كتثلم السكين وهو يجري مجرى السبب وسبب السبب ، وهو ما اشتمل عليه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « اللهم أعني ولا تعن عليّ » « 1 » الحديث ، فذكره لتمام القدرة والعزة مع ذكر الأحسن دال على توفيقه بما ذكر ، ومن تأمل الآية عرف أنه ما خلق إلا ليتميز جوهره من صدق غيره أو صدقه من جوهر غيره ، وأن الدنيا مزروعة ، وأن الآخرة محصدة ، فيصير من نفسه على بصيرة ، وثارت إرادته لما خلق له تارة بالنظر إلى جمال ربه من حسن وإحسان ، وأخرى إلى جلاله من قدرة وإمكان ، وتارة بالنظر لنفسه بالشفقة عليها من خزي الحرمان ، فيجتهد في رضا ربه وصلاح نفسه خوفا من عاقبة هذه البلوى . ولما كان لا يغفل الابتلاء منا إلا جاهل بالعواقب وعاجز عن رد المسئ عن إساءته وجعله محسنا من أول نشأته ، قال نافيا لذلك عن منيع جنابه بعد أن نفاه بلطيف تدبيره وعظيم أمره في خلق الموت والحياة ، ومزيلا بوصف العزة لما قد يقوله من يكون قوي الهمة : أنا لا أحتاج إلى تعب كبير في الوصول إليه سبحانه بل أصل إليه أي وقت شئت بأيسر سعي وَهُوَ أي والحال أنه وحده الْعَزِيزُ أي الذي يصعب الوصول إليه جدا ، من العزاز وهو المكان الوعر والذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ، فلو أراد جعل الكل محسنين ، ولا يكون كذلك إلا وهو تام القدرة فيلزم تمام العلم والوحدانية ووجوب الوجود أزلا وأبدا . ولما كان العزيز منا يهلك كل من خالفه إذا علم مخالفته ، قال مبينا سبب إمهاله للعصاة مرغبا للمسيء في التوبة ، بعد ترهيبه من الإصرار على الحوبة ، لأنه قد يكون مزدرئا لنفسه قائلا : إن مثلي لا يصلح للخدمة لما لي من الذنوب القاطعة وأين التراب من رب الأرباب الْغَفُورُ * أي أنه مع ذلك يفعل في محو الذنوب عينا وأثرا فعل المبالغ في ذلك ويتلقى من أقبل إليه أحسن تلق كما قال تعالى في الحديث القدسي « ومن أتاني يمشي أتيته هرولة » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأدب المفرد 664 و 665 والترمذي 3551 وأبو داود 1510 وابن ماجة 3830 وابن حبان 947 والحاكم 1 / 519 وأحمد 1 / 227 من حديث ابن عباس ، رجاله رجال الصحيح ، غير طليق بن قيس ثقة ، وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وقال الترمذي : حسن صحيح .